محمد جمال الدين القاسمي

171

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

الجملة إلى أهل الردة ، إذ كانت أعظم الأمرين وأهمهما . انظر تتمة هذا المبحث في ( نيل الأوطار ) في كتاب الزكاة . قال الشوكانيّ : فأما مانعوا الزكاة منهم ، المقيمون على أصل الدين ، فإنهم أهل بغي . ولم يسمّوا على الانفراد كفارا ، وإن كانت الردة قد أضيفت إليهم لمشاركتهم المرتدين في منع بعض ما منعوه من حقوق الدين ، وذلك أن الردة اسم لغويّ . فكل من انصرف عن أمر كان مقبلا عليه ، فقد ارتد عنه . وقد وجد من هؤلاء القوم الانصراف عن الطاعة ومنع الحق . وانقطع عنهم اسم الثناء والمدح ، وعلق بهم الاسم القبيح ، لمشاركتهم القوم الذين كان ارتدادهم حقّا . الثانية : قوله تعالى : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ . مذهب السلف في المحبة المسندة له تعالى . أنها ثابتة له تعالى بلا كيف ولا تأويل ، ولا مشاركة للمخلوق في شيء من خصائصها . كما تقدم في الفاتحة في الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ . فتأويل مثل الزمخشريّ لها - بإثابته تعالى لهم أحسن الثواب ، وتعظيمهم والثناء عليهم والرضا عنهم - تفسير باللازم ، منزع كلاميّ لا سلفيّ . وقد أنكر الزمخشريّ أيضا كون محبة العباد للّه حقيقية ، وفسرها بالطاعة وابتغاء المرضاة . فرده صاحب ( الانتصاف ) بأنه خلاف الظاهر . وهو من المجاز الذي يسمى فيه المسبب باسم السبب ، والمجاز الذي لا يعدل إليه عن الحقيقة ، إلا بعد تعذرها ، فليمتحن حقيقة المحبة لغة بالقواعد ، لينظر : أهي ثابتة للعبد متعلقة باللّه تعالى أم لا ؟ إذ المحبة ، لغة ، ميل المتصف بها إلى أمر ملذ . واللذات الباعثة على المحبة منقسمة إلى مدرك بالحسن : كلذة الذوق في المطعوم ، ولذة النظر واللمس في الصور المستحسنة ، ولذة الشم في الروائح العطرة ، ولذة السمع في النغمات الحسنة ، وإلى لذة تدرك بالعقل : كلذة الجاه والرياسة والعلوم وما يجري مجراها . فقد ثبت أن في اللذات الباعثة على المحبة ما لا يدركه إلا العقل دون الحس ، ثم تتفاوت المحبة ضرورة بحسب تفاوت البواعث عليها ، وإذا تفاوتت المحبة بحسب تفاوت البواعث . فلذات العلوم أيضا متفاوتة بحسب تفاوت المعلومات ، فليس معلوم أكمل ولا أجمل من المعبود الحقّ . فاللذة الحاصلة في معرفته تعالى ، ومعرفة جلاله وكماله ، تكون أعظم . والمحبة المنبعثة عنها تكون أمكن ، وإذا حصلت هذه المحبة بعثت على الطاعات والموافقات . فقد تحصّل من ذلك أن محبة العبد ممكنة ، بل واقعة من كل